أبي الفرج الأصفهاني

205

الأغاني

وبعث هوذة إلى بني حنيفة فأتوه ، فدنوا من حيطان المشّقر ، ثم نودي : إنّ كسرى قد بلغه الذي أصابكم في هذه السنة ، وقد أمر لكم بميرة ، فتعالوا ، فامتاروا . فانصبّ عليهم الناس ، وكان أعظم من أتاهم بنو سعد ، فجعلوا إذا جاؤوا إلى باب المشّقر أدخلوا رجلا رجلا ، حتى يذهب به إلى المكعبر [ 1 ] فتضرب عنقه ، وقد وضع سلاحه قبل أن يدخل ، فيقال له : ادخل من / هذا الباب واخرج من الباب الآخر ، فإذا مرّ رجل / من بني سعد بينه وبين هوذة إخاء ، أو رجل يرجوه ، قال للمكعبر : هذا من قومي فيخلَّيه له . فنظر خيبريّ بن عبادة إلى قومه يدخلون ولا يخرجون ، وتؤخذ أسلحتهم ، وجاء ليمتار ، فلما رأى ما رأى قال : ويلكم ! أين عقولكم ! فو اللَّه ما بعد السّلب إلا القتل . وتناول سيفا من رجل من بني سعد يقال له مصاد ، وعلى باب المشّقر سلسلة ورجل من الأساورة قابض عليها ، فضربها فقطعها ويد الأسوار ، فانفتح الباب ، فإذا الناس يقتلون ، فثارت بنو تميم . ويقال : إن الذي فعل هذا رجل من بني عبس يقال له : عبيد بن وهب ، فلما علم هوذة أنّ القوم قد نذروا به أمر المكعبر فأطلق منهم مائة من خيارهم ، وخرج هاربا من الباب الأول هو والأساورة ، فتبعتهم بنو سعد والرباب ، فقتل بعضهم ، وأفلت من أفلت . صوت إذا سلكت حوران من رمل عالج [ 2 ] فقولا لها : ليس الطريق هنالك دعوا فلجأت [ 3 ] الشام قد حيل دونها بضرب كأفواه العشار الأوارك [ 4 ] عروضه من الطويل . الشعر لحسّان بن ثابت ، والغناء لابن محرز ، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول ، مطلق في مجرى البنصر . وهذا الشعر يقول حسان بن ثابت لقريش حين تركت الطريق الذي كانت تسلكه إلى الشام بعد غزوة بدر ، واستأجرت فرات بن حيّان [ 5 ] العجليّ دليلا ، فأخذ بهم غيرها ، وبلغ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم الخبر ، فأرسل زيد بن حارثة في سريّة إلى العير فظفر بها ، وأعجزه القوم .

--> [ 1 ] في الطبري : « وإنما سمي المكعبر ؛ لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل . واسمه آزاذ فروذ بن جشنس » . [ 2 ] الديوان 295 : « إذا سلكت للغور من رمل عالج » . [ 3 ] الفلجات : الأودية الصغار . [ 4 ] في الديوان : . . . قد حال دونها جلاد كأفواه المخاض الأوارك والأوراك : التي ترعى الأراك . [ 5 ] ب ، س : حبان بالباء ، والمثبت من ما ، وهو موافق لما في « كتب السيرة » .